محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

64

الآداب الشرعية والمنح المرعية

ثوبان في مسجد دمشق فذكرت ذلك له فقال : صدق أنا صببت له وضوءه " 1 " . ورواه جماعة منهم الترمذي وقال : هذا أصح شيء في هذا الباب . الاستفراغات خمسة : الإسهال ، وإخراج الدم ، وقد سبق ذلك ، والقيء ، إما بالغلبة فلا يجوز حبسه إلا إذا أفرط وخيف منه فيقطع بما يمسكه ، وإما بالاستدعاء فأنفعه عند الحاجة . وسبب القيء صفراء أو بلغم أو ضعف المعدة في ذاتها فلا تهضم وتقذف الطعام إلى فوق أو يخالطها خلط رديء فيسيء هضمها أو زيادة مأكول أو مشروب لا تحتمله المعدة ، أو كراهتها لهما ، فتطلب دفعه أو يحصل فيها ما يثور الطعام بكيفيته وطبيعته فيقذف به ، أو قرف يغثي النفس ، أو عرض نفساني كهم وحزن يشغل الطبيعة عن تدبير البدن به فتقذفه المعدة ، وقد يكون لأجل تحرك الأخلاط عند تخبط النفس ، فإن كل واحد من النفس والبدن ينفعل عن صاحبه ، أو نقل الطبيعة بأن يرى من يتقيأ فيغلبه القيء فإن الطبيعة نقالة . واعلم أن القيء في بلد حار وزمن حار أنفع لرقة الأخلاط وانجذابها إلى فوق ، وبلد وزمن بارد يغلظ الخلط ويصعب جذبه ، والإسهال أنفع . وإزالة الخلط تكون بالجذب والاستفراغ ، والجذب يكون من أبعد الطرق والاستفراغ من أقربها لأن المادة إن كانت عاملة في الإنصباب أو الترقي لم تستقر بعد فهي محتاجة إلى الجذب ، فإن كانت متصاعدة جذبت من أسفل ، وإن كانت منصبة جذبت من فوق ، وأما إذا استقرت في موضعها استفرغت من أقرب الطرق إليها ، فمتى أضرت المادة بالأعضاء العليا اجتذبت من أسفل ، ومتى أضرت بالأعضاء السفلى اجتذبت من فوق ، ومتى استقرت استفرغت من أقرب مكان إليها ، ولهذا كان عليه السّلام يحتجم تارة على كاهله وقدمه وفي رأسه ، فالقيء يستفرغ من أعلى المعدة ويجذب من أسفل والإسهال بالعكس . قال أبقراط : وينبغي أن يكون الاستفراغ في الصيف من فوق أكثر من الاستفراغ بالدواء وفي الشتاء من أسفل . والقيء ينقي المعدة ويقويها ويحد البصر ويزيل ثقل الرأس وينفع من قروح الكلى والمثانة واليرقان والأمراض المزمنة كرعشة وفالج وجذام واستسقاء ، ويستعمله الصحيح في الشهر مرتين من غير حفظ دور ليتدارك الثاني ما قصر عنه الأول ، وينقي فضلة انصبت بسببه ، ويضر الإكثار منه المعدة ويجعلها قليلة الفضول ويضر بالأسنان والسمع والبصر وربما صدع ، ويجب أن يتنبه من به ورم في الحلق أو ضعف في صدر أو دقيق الرقبة أو مستعد لنفث الدم أو عسر الإجابة . أما فعل بعض من يسيء التدبير وهو أن يمتلئ طعاما ثم يقذف به فإنه يعجل الهرم ويوقع في أمراض رديئة

--> ( 1 ) صحيح رواه الترمذي ( 87 ) وأحمد ( 6 / 443 ) والحاكم ( 1 / 426 ) والدارقطني ( 57 ، 58 ) والبيهقي وسننه الكبرى ( 1 / 144 ) وصححه الشيخ الألباني وانظر الإرواء ( 111 ) .